كتاب القطعة في صحافتنا لمن ينحازون ؟
الدكتور غالب الفريجات
تباً لمن يبيع ضميره ويؤجر عقله ، ويحتطب بقلمه من اجل حفنة دولارات ، او مكافأة دنيئة ، او لمصلحة رخيصة ، او وظيفة وضيعة ، وهو ما نشهده في الساحة الاعلامية ، وبشكل خاص عند كتاب القطعة ، الذين تقوم الاجهزة على الاجازة لهم بالكتابة في الصحف الرسمية ، الذين يوجهون بالريموت كنترول ، من قبل موظف جهاز المخابرات القمعي .
ما ندر ان تتاح الفرصة لقلم شريف يأبى ان يكون مخبراً في الكتابة ، ولكن المساحة الاعلامية تعج بالوضيعين الاميين ، الذين يبيعوت الذمة والضمير ، فلا عرفاً وطنياً يهتدون به ، ولا حرمة قومية يفهمون معاييرها وحدودها ، وواجب التقيد بها ، ولا كرامة انسانية يتمتعون بها ، ولا اخلاق دينية يسيرون على نهجها ، فالمصلحة الانانية ديدنهم وكعبتهم دولارهم .
يلهثون وراء المصلحة كما تلهث الكلاب ، فينهشون تاريخ ابطال الامة لحفنة من الدولارات، وينحازون لمواقف الرخص والعمالة لارضاء نفوسهم المريضة ، هم بلا تاريخ فيه نقطة بيضاء ، لان النفوس المريضة لا تترع الا بالقيح والروائح الكريهة ، مستعدون للمتاجرة باعراض الشرفاء ، والتملق بانتهازية لكل الفاسدين والفاشلين ، لانهم اعتادوا ان يكونوا في خندق المطبلين ، الذين يدعون الولاء الزائف ، البعيد كل البعد عن الانتماء للوطن والمجتمع ، والمصلحة العليا لكل ما هو وطني او قومي او ديني او انساني .
صحافة الدولة عندما تتحول الى صحافة حكومات تعجز ان توفر الامن والتنمية هي صحافة رخيصة ، لان ادواتها اكثر رخصاً ، وفي المقدمة منها هؤلاء الذين يدبجون مقالات القطعة، التي توجه مادتها الكتابية من خلال التعليمات ، تتحول فيها السلطة الرابعة الى ابواق رخيصة ، من اجل التبعية ، وفي سبيل خدمة الذل ومهانة الكرامة الوطنية .
صحافتنا وكتاب القطعة فيها مخصية في معالجة قضايا الوطن ، ومشغولة بالقدح والذم ، ونهش ما هو خارج اسوار وحدود هذا الوطن المنكوب بسياسييه واعلامه ، لانهم يجيدون فن العبث فيما يجري خارج حدود الوطن ، وما يجري على اسواره ، ولكنهم جبناء امام واقع الحال ، الذي بات مذموماً من كل مواطن يتمتع بالحد الادنى بالوعي والادراك والفهم ، في الوقت الذي يعيش فيه كتاب القطعة خارج معايير الوعي والادراك ، لانهم قد اجروا عقولهم ، وكسروا اقلامهم لمن يدفع لهم .
حملة شعواء يشنونها على الآخرين ، ويتجاهلون ان من كان بيته من زجاج فعليه ان لا يلقي بيوت الناس بالحجارة ، ولكن هيهات ان يفهموا ان ما يجري خارج حدود الوطن انه ضمن مخطط اجرامي، يسعى اعداء الامة ان يفرضوه على هذه البقعة او تلك من بقاع الامة ، لان كتاب القطعة لا يهمهم الدفاع عن الوطن والامة ، ويغطوا في نوم عميق عن فهم المصلحة العامة ، فمن يؤجر نفسه لا يملك الا ان يكون امعة يسير وراء توجيهات الذين يدفعون له .
كلما كثرت انواع والوان الصحف لدينا ، كلما ازدادت اعداد المرتزقة على صفحاتها الصفراء ، رغم ان ازدياد العدد فرصة لاتساع مساحة الحرية في ابداء الرأي ، والعمل على تنوير المجتمع ، ولكن الوضع معكوس عندما تظهر هذه المطبوعة او تلك ، حيث نرى مساحة كبيرة من الانتهازية والتملق والتبعية، لتوجيهات باتت معروفة انها عقبة كأداء في تقدم الوطن ، وانها تجيد فن الكذب والتملق ، والجبن في تناول قضايا الوطن بجرأة وشجاعة ، والدفاع عن قيم الامة وحقها في الحياة ، لا بل تصبح ابواق تدمير وتخريب ، ونهش في في مواقف الدول والاشخاص خدمة لاعداء الامة .
ما يجري على الارض العربية تتناوله هذه الاقلام المتكسرة بلغة من يملك الرأي وهو فاقد لاهليته ، ويتنطع للنقد الجارح وهو من صادر حقه في الرأي لانه باع نفسه ، وتقرأ بين سطور كل كتاباتهم انهم جميعا يقرأون على شيخ واحد ، بات معروفاً حتى للصغير في حضن امه ، دون ان يصاب الواحد منهم بالحد الادنى من الخجل ، لانهم قد فقدوا الحياء الذي تتمتع به النفس البشرية الموسومة بالنقية .
نحن في امس الحاجة الى ثورة بيضاء ليس على صعيد الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي فحسب، ولكن على صعيد الاعلام الذي باتت فيه الثورة تلك في مقدمة اولويات توجيه بوصلة الوطن ، التي انحرفت عن مسارها ، وبات هذا المسار يهدد كل حياتنا ، ويشكل خطورة على مستقبل وجودنا ، لكن بعيدا عن هذه الادوات الرخيصة التي تنهش بالوطن من خلال تملقها وارتزاقها ، وتتآمر على الامة من خلال تناول قضاياها ، وما يجري على الساحات العربية لخدمة مخطط اعداء الامة .
نحن في امس الحاجة ان تنحاز الصحافة خاصة والاعلام بشكل عام ، الى خدمة الوطن بالنقد البناء، والجرأة الشجاعة ، والى البعد عن المساس بالحرمة القومية ، وعدم الانسياق وراء المخططات العدوانية، التي تستهدف المزيد من تمزيق الامة ، وفقدانها الامل في ان تنهض ، وتجد لها مكاناً تحت الشمس ، شريكة في البناء الحضاري الانساني .
dr_fraijat@yahoo.com
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق