دمعت عيني لفراقك يا أخي
لحظة الشهادة .. (الشهيد القسامي عبدالله القرا)
بقلم المصور الصحفي : أحمد القرا
يوم الجمعة الموافق 8-4-2011م الساعة التاسعة صباحا .. يوم غير عادي في حياتي .. حيث استيقظت صباحا على صوت طالما ألفناه لكن هذه المرة كان مختلفا .. صوت قصف من صائرة استطلاع صهيونية غادرة على أحد الأهداف القريبة من منزلي على مدخل قرية خزاعة شرق خانيونس جنوب قطاع غزة.
في البداية اعتقدت انه صوت عادي أي قصف مدفعي لهدف في المناطق الحدودية حيث أننا نسكن بالقرب من الشريط الحدودي ونسمع أصوات أطلاق نار من الآليات أو قصف مدفعي .. صحوت على مضض لأتابع القصف حتى أقوم بتصويره لأحد المواقع المحلية بمنطقة خان يونس وكأن هناك شيء خاص يجدبني نحو هذا الحدث خصوصا انني عرفت مكان القصف مسافة 300متر فقط تبعد عن بالمنزل، ثم توالت الأخبار أن هناك إصابة في المكان ،
هرعت إلى الكاميرا لأقوم بتصوير الحدث عن قرب وتوالت الاخبار، في منتصف الطريق تحديدا بين منزلنا وبين مكان القصف علمت أن هناك شهيدين من خلال بعض الاتصالات من قبل بعض الصحفيين ، حينها جاءني شعور لن أنساه طوال حياتي ، لم أعرف الشعور تحديدا ولكن هذه أول مرة أذهب لحدث أصوره وينتابني هذا الشعور أن هناك شيء غير طبيعي يستهدفني ويخصني بهذا الحدث، شيء يدفعني بقوة للوصول إلى مكان القصف ، بعدما كنت أمشي بشكل طبيعي ومن ثم هناك قوة داخلية جعلتني أهرول نحو المكان ودقات تسارع لامات التعب بدت واضحة ، مع العلم أنني عندما علمت أن هناك أصابه بسرعة فتحت الجوال وحاولت الاتصال بأخي عبد الله الساعة التاسعة صباحا ، وعندما وصلت المكان كان هناك القليل من المواطنين ، وما ان اقتربت من مكان القصف تحديدا وهو اعلى خزان المياه وإذ بي أتوجه نحو الشباب الذين أعرفهم وأسأله شو فيه ومين الشهداء ، فكان الرد الذي لم يدور بمخيلتي وكان ردا مختصرا بليغا ، أصبر وأحتسب ، وقفت الدنيا ، وقف النبض ، وقف الكلام ، وقف الجسم ، وقف كل شيء في هذه الدنيا مع أنني عندما قال هذه الكلمتين توقف كل شيء من حولي ، فكانت أول الكلمات التي خرجت من لساني الحمد لله ، اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيرا منها ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، لا أله إلا الله كلمات خرجت بدون شعور أو أحساس مني لما أقول ، أول صدمة حقيقية في حياتي أتعرض لها ، و لله الحمد صبرت أو بمعنى أدق الله عز وجل هو من صبرني ونزل الصبر على قلبي وجعلني أتمالك نفسي ، شيئا فشيئا بدأت أتدارك ما يدور حولي من أحدث وأستوعب الأمر مع أنني لم أستوعب أنني لن أرى عبد الله اخي بعد هذه اللحظة إلا مسجى على كفنه ،حيث رأيته أخر مرة الساعة الواحدة ليلا عندما طلب مني أن أجهز عشاء له ولرفاقه الدين قدموا معه ومن ضمنهم الشهيد معتز أبو جامع الذي استشهد معه في نفس القصف ، ومن قبلها بعد صلاة العصر عندما اجتمعنا على مأدبة الغذاء وبعدها عندما شربنا كأسا من الشاي بمنزلي ،
نعود لنكمل تفاصيل الحدث الأليم ، بعدها بدأت مهمة من أصعب المهام في حياتي أن أقوم بإبلاغ أهلي باستشهاد أخي عبدالله ، كيف سأقوم بنقل الخبر ، هل أقوم لهم عبدالله استشهد لينفطر قلب والدي ووالدتي ، كل سيتقبلون الخبر ، ماذا سيفعلون ، بادرت بالاتصال بزوجتي لتبلغ أهلي أن عبدالله أصيب وهو بحالة جيدة ولكن سيذهب للمستشفى فقط للاطمئنان عليه رغم علمي أنه مستشهد ولكن حاولت أن أخفف وقع الحدث عليهم تم اتصلت لأبلغ زوجتي أن تقوم بتصبير والدتي ولكن هل قلب الأم لا يعرف ثمرة الفؤاد حيث أن والدتي كانت بجانب زوجتي عندما اتصلت عليها وأن والدتي علمت من قلبها أن عبدالله لم يصب ولكن عبدالله استشهد في هذا القصف الغادر من قبل طائرة الاستطلاع ، وعلى جانب أخر كيف سأبلغ أخي الذي يقطن في السعودية وكيف سيصل له الخبر ومن سيصبره ، اتصلت بأحد من أثق به وأعلم انه سيعمل على أن يخفف عن أخي محمد قلت له أذهب لمحمد وبلغه الخبر وحاول تصبره على هذه المصيبة، أحمد الله على انه صبرهم على فراق بسمة البيت وفرحه ، كيف لا يبكي والدي الذي لأول مرة في حياتي اراه يبكي على فراق ثمرة فؤاده الذي أحبه ، كيف لا تبكي والدتي وأن جزء من فلذة كبدها غادر الدينا ، كيف لا أبكي وأخي عبدالله الذي عرفته هماما مغوارا مقداما لم يعرف الخوف ولم يتسلسل الخوف يوما إلى قلبه ، كيف لا أبكيه وهو أخي وحبيبي ونور حياتي ، كيف لا أبكيه وهو من علمني عدم الخوف من الحياة ، كيف لا أبكيه وقد فارقنا بروحه ، في هذه الأثناء نزل جثمانه من السماء إلى الأرض حيث أرتقى شهيدا بين السماء والأرض وعلى ارتفاع خمسين مترا عن سطح الأرض يكفيك يا عبدالله شرفا أنك ارتقيت في السماء لتصعد روحك من السماء إلى السماء العليا ، حيث بقى أكتر من نصف ساعة من لحظة الشهادة وحتى نقله في سيارة الإسعاف إلى المشفى ، في هذه النصف ساعة لم يدر بخلدي لما أنا هنا ، خرجت من بيتي لأقوم بتصوير الحدث وها أنا في قلب الحدث ولم أستطع التصوير ، لأول مرة في حياتي أعجز عن حمل الكاميرا التي طالما حملتها وصورت بها ونقلت مشاهد الدماء والدماء والشهداء ، لم أستطع التصوير بل لم أستطع أن احملها على كتفي ليأخذها أحد الشباب ليقوم بالتصوير وتغطية الحدث نيابة عني ،
لأول مرة أمر بمثل هذا الموقف الصعب ، في السابق عندما كنت أصور الشهداء والجرحى كنت فقط أنقل الصورة وأحمل بعض المشاعر لهم في قلبي وأثأر بعض الشيء، واذا كنت اعرف الشهيد أثأر أكثر ولكن بعد اليوم تغيرت هذه الصورة بشكل كبير ، نعود من إلى الحدث من مكان القصف إلى المشفى مسافة نصف ساعة بالسيارة ، نصف ساعة مرت عمر كبير ، لم أملك فيها إلا الدعاء لأخي الشهيد وأن يصبرنا الله وأن ينزل الصبر على قلوبنا ، وعند الوصول لم أتعود أن اكون انا محور الحدث ، كنت دوما ناقل للحدث وليس في صلب الحدث ، وصلت المشفى وذهبت هذه المرة لأودع أخي في غرفة الاستقبال والطوارئ بمجمع ناصر الطبي لأرى والدي والدتي وبعض الأقارب بالقرب من جثمان أخي عبدالله وهم يلقون نظرة الوداع على أخي المسجى بدمه الطاهر لم أتمالك نفسي إلا أن أقوم باحتضان أخي والدعاء له بشكل لا أرادي ،
لم يخالجني هذا الشعور من قبل رغم مروري بالعديد من هذه المشاهد من قبل ، بعد لحظات نقل أخي من الاستقبال إلى تلاجه الشهداء ، تلاجه الشهداء التي طالما دخلت لها لأصور الشهداء وكيف يكون ذويهم في حالة صعبة نتيجة الفراق وكنت أصور بكاميرتي هذه اللحظة التي لا أخفيكم أنني كنت أكثر لحظات التأثر تكون ظاهرة علي وأنا أقوم بالتغطية بالإضافة للحظة توديع والدة الشهيد لأبنها في المنزل حيث يكون مدى التأثر في أقصى درجاته ، وضع عبدالله ورفيق دربه الشهيد معتز في الثلاجة وقمت بتوديعه في لحظات لن تنسى من الذاكرة التي صورت هذا اليوم كاملا في مخيلتي لأقوم باسترجاعه يوميا عشرات المرت ، بعدها خرجت لأفسح المجال للغير ليقوم بتوديع عبدالله ومعتز وأنا أتمنى أن أبقى بجانبه ، ساعتين مرت من لحظة وضع الشهداء بالثلاجة حتى لحظة الانطلاق بهم إلى ذويهم ووصول كل شهيد إلى منزله . لم أدري كم من الوقت قضى عبدالله في المنزل لم أدري أي شئ سوى اللحظات التي ودعت فيها والدتي وأخواتي وعماتي وخالتي عبدالله ، لم أستطع أن أصف هذه اللحظات ، لم أستوعبها ، حتى ذاكرتي التي كانت تسجل تفاصيل هذا اليوم الصعب لم تستطع أن تسجل إلا بعض اللقطات في هذا المشهد الصعب والمبكي ، الكل يبكيك يا عبدالله عدا بعض من أفرحهم استشهادك من العملاء والجواسيس الدين ما فتئوا يتربصون بك ، كل من عرفك بكاك ، سيبكيك مسجدي التوحيد والرضوان ، سيبكيك سلاحك الذي لم يعرفك إلا بطلا ، ستبكيك مواضع الرباط التي لم تعرفك إلا أسدا لا تخاف من المنايا ، سيبكيك رفاقك في كتائب القسام وحركة حماس الذين عرفوك ملتزما منذ صغرك ، كيف لا وانت التحقت بكتائب القسام وعمرك لا يتجاوز ستة عشرا ربيعا ، والمشهد الأخير في حياتك يا عبدالله عندما أيقنت ان هذه أخر مرة سأراك فيها حتى وأنتا مسجى على الأكتاف قبل أن تدخل مقرك الأخير لتنعم بالجنان أن شاء الله ، عندما أتاني شعور أنني لم أشبع من رؤيتك ولن أراك مرة أخرى إلا في مخيلتي وأحلامي ، عندها لم تتمالك دموي إلا أن تجرى على وجنتي يا حبيب القلب وبسمة الروح ونبض الحياة ، رحلت يا عبدالله ويكفيك أن أخر كلامك كان لا أله إلا الله محمد رسول الله حيث سمعك أخر من نظر إليك وانت على قيد الحياة حيت أقسم بالله أن سمعتك تقول محمد رسول الله ، وبشر الرسول أن أخر من كان كلامه لا أله إلا الله محمد رسول الله دخل الجنة ، يكفك أنك كنت مرابطا بطلا تحافظ على صيام يومي الأثنين والخميس من كل أسبوع وتحافظ على صلاتك وتعد نفسك دوما للقاء العدو ولا تخافه ولا تخشاه ولا تخشى طائراته وصواريخه .
حاول العدو خلال الفترة الأخيرة أن يستهدفك بطيران F16 من خلال قصفه لأحد المساجد التي كنت متواجدا بها لمرتين متتاليتين قبل استشهادك بفترة قصيرة جدا ولكنه خاب وخسر وقدر الله أن تستشهد وأنت في مهمة عظيمة كلفت للقيام بها من قبل كتائب القسام وارتقيت قبل أن تديق العدو الويلات ، لكن سبك أن إخوانك ما زالوا على ذات الطريق وعلى نفس النهج الذي مضيت عليه .
مضيت ويسجل لك المكان الذي استشهدت فيه كيف أنه في أحد الاجتياحات للمنطقة تقدمت لضرب أحد الجرافات الصهيونية بقذيفة أربجي ولم تخف من قرب الجرافة التي لم تبعد عنك سوى أمتار قليلة وإطلاق النار الكثيف من قبل الآليات وتحليق طيران الاستطلاع ، فبعد أن قمت بإطلاق القذيفة على الجرافة وتوقفها قامت أحد الآليات المتمركز بإطلاق قذيفة مدفعية عليك لكنك لم تخف ولم تتراجع وبقيت بالقرب من المكان.
وموقف أخر كما رواه بعض من عاش معك ، كيف تقدمت لضرب ألية في حرب الفرقان عندما تقدمت الآليات نحو المنطقة بقذيفة تاندوم عليها ولم تخف من الآليات ولا من طيران الاستطلاع الذي كان يحلق بكثافة في الأجواء ، الكل يشهد لك أخي بجراتك وعدم خوفك وتنفيذك المهام الصعبة التي كنت تكلف بها دون خوف أو وجل ، كان هدفك ان تؤلم اليهود وتقتلهم لتنتقم لدماء أبناء شعبنا التي سالت وتدافع عن عرض المسلمين .
رحلت وما زل بعض المرجفين والعملاء يسرحون ويمرحون ، ويفرحون عندما يرتقي الشهداء ويشربون الكأس ويتبجحون ، لكن كفاك فخرا أن كنت قاهرهم وأنت حيا وأيضا وأنت مسجى على الأكتاف ، فمت موته شريفه أما هم فمصريهم العار الذي سيلحق بهم .
رحلت أخي وتركت قلوبنا وعيوننا تبكيك كل يوم ، كل لحظة ، رحلت وأنت غالي على قلوبنا ولكن هذا قدر الله عز وجل نافذ راضين به، احتسبناك عند الله شهيدا ونسأل الله أن يتقبلك وأن يرحمك .
رحلت وما زلت كتائب القسام على العهد وعلى ذات الطريق لن تقيل ولن تستقيل حتى نحرر أرضنا من دنس الصهاينة الغاصبين بإذن الله تعالى ونصلي في المسجد الأقصى فاتحين محررين أن شاء الله .
في النهاية ، أخي سنبقى على ذات الطريق الذي مضيت فيه ، نعاهدك أننا لن نقيل ولن نستقيل حتى نلقى الله عز وجل على ذات النهج وذات الطريق الذي أخترته الذي نعلم انه صعب لكن في سبيل الله تهون دمائنا وكل ما نملك .
أخيك المشتاق لك
أحمد محمود القرا
--
المصور : أحمد القرا
غزة - خانيونس
0599059948
ahmedpress1@gmail.com
ahmed.press1@hotmail.com
لمراسلة مدير المجموعة:
Palestine.Dr@gmail.com
منتصرون بإذن الله
----------------------
لقد تلقيت هذه الرسالة لأنك مشترك في مجموعات Google مجموعة "فلسطين - عام
التحرير".
لإرسال هذا إلى هذه المجموعة، قم بإرسال بريد إلكتروني إلى
palestine1@googlegroups.com
لإلغاء الاشتراك في هذه المجموعة، ابعث برسالة إلكترونية إلى
palestine1+unsubscribe@googlegroups.com
لخيارات أكثر، الرجاء زيارة المجموعة على
http://groups.google.com/group/palestine1?hl=ar






ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق