تجسدت الحرية علىأرض الجنوب اللبناني بناء مكتملاً في الخامس والعشرين من أيار عام ألفين. وما كانحلما ومستحيلاً ـ برأي البعض ـ، غدا ممكناً، تحريراً وفرحاً، وطيوراً مزقزقة بفجرالحرية التي صنعها المقاومون بدمهم شهادة ونصراً، وبعذاباتهم وصبرهم حرية وفرحاً. في ذلك الوقت لم يكن من خيار إلى زيارة هذه المناطق، فأجواء القهر، وكلماتالتبجح تكاد تخنق الإنسان. فكان لا بد من زيارة البلدات المحررة لنخرج من سجنأيامنا الرتيبة إلى فضاء الحرية الواسع، لنتعلم هناك من الرجال الرجال كيف صنعواالتحرير الذي صوّره البعض مستحيلاً، كيف حكموا «المعجزة»، وسموا على جراحاتهم حتىغدت السماء مستقراً لهم، وللأحياء منهم حسرة على طول الانتظار للحاق بالشهداءشهداء. احدى عشرة ساعة قضيناها في الجنوب، لم نشعر خلالها بتعب او ملل، لقدكانت نسمات الهواء مختلفة، والطيور غير خائفة، والسماء صافية على غير عادتها،والأرض مبتهجة بعودة أصحابها وكأنها تريد ان تستريح من عناء اثنين وعشرين عاماً منالاحتلال. أما النسوة فزغردن كثيراً، والأطفال لعبوا باطمئنان، ورفعوا شارات النصر،وعلت وجوههم بسمات تهزأ بالمحتل وعملائه، وتقول: «انتصرنا. من الطرة والسويداء،والدبشة، وعلي الطاهر، وشقيف، وكفر تبنيت، وارنون، وسحمر، ويحمر، وصولاً إلىمرجعيون وحاصبيا والخيام، وكفركلا، والعديسة وبنت جبيل، كلها بلدات ابتهجت فرحاًبالتخلص من كابوس الاحتلال. أما في قلعة الشقيف حيث فجر العدو بعضاً منها، تجولناهناك. لم نترك منطقة إلا وتجولنا فيها، صعدنا إلى دشم المراقبة، ودخلنا إلى حيثكانوا ينامون!. وزرنا معتقل الخيام، هنا توجد أسماء العملاء، وهنا غرف المعتقلوزنزاناته، غرف لا تدخلها الشمس، ورطوبتها عالية، وأغطية فرشات لم تغسل منذ سنواتاو أكثر، لا تستطيع الاقتراب منها، فكيف بالمعتقـلين الذين ناموا عليــها سنــوات! كان الناس يخرجون من غرفة ليدخلوا اخرى متأثرين جداً ببشاعة هذه المشــاهد المرعبة،والظلم الذي لحق بالمعتقلين. وبعد ذلك جلنا في ساحة المعتقل ودخلنا غرف التحقيقفرأينا الأدوات الــتي استخدمها العملاء في تعذيب والمعتقلين، بدءاً بالكهرباء،وطشت الماء، إلى عمود الكهرباء الذي يعلق عليه المعتقل عدة ساعات مغطى الرأس بكيسأسود. وصودف وجود معتقل محرر من بلدة الخيام، شرح عن أيام العذاب لكنه ما نسيان يذكر الفرح القادم. وعندما هممنا بالمغادرة رأينا ولداً لا يتجاوز عمره تسعسنوات يمسك والده بيده، ويلبس بزة عسكرية، ويحمل بيده الأخرى مسدساً بلاستيكياًويقول لوالده: «أيمتا بدي حارب اليهود؟» فرد والده عليه بقوله: «عندما تكبر». فقالالصبي: «بس أكبر بيبطل فيه يهود». فضحك الوالد وضحكنا معه، فنظر الصبي إلينا،وتوارى خلف والده خجلاً. وانطلقنا من بعدها من ميس الجبل، فعيطرون فبنت جبيل،العديسة، وهناك وقفنا لنرى ولأول مرة فلسطين الحبيبة، الموقف لا يوصف، دموعوارتباك، وما زاد الطين بلة ـ كما يقول المثل الشعبي ـ، رؤيتنا لفلاح يهودي يحرثبمحراثه أرضنا، فلم نتمالك أعصابنا فرشقناه بعدة أحجار، لكنها للأسف لم تصبه. مع شمس بلادي أحسست لأول مرة بشعور غريب، فتنفست هواء غير الهواء، وشممت رائحةعطر ليمون وبرتقال يافا وبيارات حيفا، هناك أيقنت كم هي قوية ذاكرتنا، فتشريدناوغربتنا عن المكان عززه حضور قوي للذاكرة جعلت الأجداد يجتهدون بنقل كل ما يتعلقبفلسطين لأبنائهم، وكذلك فعل الأبناء فتركز الوعي الجمعي ان الوطن لنا، وانالغاصبين لا بد انهم راحلون. ولا اعرف لماذا خطر لي قول الشاعر: كان لي بيتهناك، وأحلى أحلى ذكريات، مع اني لم أزر بلدتي بلدة الشيخ التي تقع على بعد خمسةكيلومترات جنوب شرق مدينة حيفا. ولم أعش بها، ولكنها سكنتني. وبقينا نحافظ علىمفاتيح المنازل وأوراق (الطابو) ككنز ثمين، مع انها اليوم مسيجة بأسلاك شائكة، وليسفيها إلا أكوام من حجارة وأنقاض لمنازل مدمرة مبعثرة بين الأشواك ونباتات الصباروشجر التين والزيتون المهمل... كما انها تضم قبراً لرمز من رموز الجهاد والمقاومةوهو قبر الشيخ المجاهد عز الدين القسام قائد ثورة عام 1936، الذي ربطته علاقة نسبمع القرية وله ذكريات جميلة مع أهلها، ويصف أحد كبار السن جنازة تشييع الشيخ عزالدين القسام بقوله: «فلسطين عن بكرة أبيها شاركت بالجنازة، الكتف إلى الكتف منالمقاصد الخيرية في حيفا حتى قرية بلد الشيخ، واثناء مراسم الدفن ألقت مدرّسة بلدالشيخ وهي بنت سليم فارس خطبة حماسية في المقبرة لوداعه تحدثت فيها عن فضائلالمجاهد الشهيد». جميع أهالي القرى والبلدات والمدن الفلسطينية يصرون على نقلكل ذكريات لابنائهم، ويعطونهم صكوك ملكية الأرض ومفاتيح المــنازل كتأكيد على عمقالانتماء والارتباط بالأرض. وإذا كان الصهاينة يعتقدون ان جيل الكبار سيموت وسينسىالصغار من بعدهم ما حصل، فقد خاب ظنهم، فالــجيل الجديد أكثر تمسكاً بأرضه، وجيلانتفاضة الحجارة عام 1987، ومجاهدو المقاومة الإسلامية في لبنان، وجيل انتفاضةالأقصى يثبتون من جديد ان دم الشهداء يرسم خارطة الوطن، وان الاحـتلال لا بد زائل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق